محمد الخمسي
لاشك أن الفشل في قطاعات أساسية والقضاء على حياة سياسية مسؤولة لا تبدو اثاره الا مع امتداد الزمن، حيث يكتشف المجتمع ومن قبله صناع القرار أن قدر من الحياة السياسية وتحررها من الركود والجمود ضروري ، وأن شيخوخة الطبقة السياسية وعجزها عن بناء حلول جادة مكلف جدا، ومشوش على الاستقرار الاجتماعي، بل إن الاجهاز على كل البنيات الوسيطة من مؤسسات نقابية وجمعيات مدنية صادقة، ومحل ثقة ضرورة في النسق الاجتماعي العام، فمن خلالها وعبرها يمكن التواصل وإبلاغ الرسائل الاجتماعية بحياد موضوعية، إن “شيخوخة” الأطر الحزبية جعلت بينها وبين جيل Z مسافة كبيرة ، سواء على مستوى الفهم أو امتلاك التقاط على قراءة الرسائل او الوعي بطرق التفكير لهذا الجيل وامتداداته،
كل ذلك جعلت الشارع فضاء تعبير بدون جسور، بحيث لا وجود لمن يلتقط الرسالة بين الطرفين، والصور والتعبيرات خير دليل على ذلك، ونخشى غدا ان يكون احتجاج بدون سقف ! بل بدون بوصلة وقابل للاختراق والاستغلال والتوظيف التخريبي.
الأمر الأكيد وهو جزء من الوهم الاعتقاد بأن المسألة مسألة ضبط أمني، وأنه كاف للحد من الاحتجاج، ذلك أن من افتقد الثقة في وطنه ومؤسساته، ويشعر بأنه على الهامش في كل شيئ، ولا تنتظره سوي البطالة والضياع والمخدرات فلا يشعر بفرق مهم بين ما يعيش وبين السجن الا السماء،
الحل العقلاني هو الإجابة على ملفات عديدة وبإجابات سياسية، ان سؤال التعليم وسؤال الصحة وسؤال الشغل وسؤال الاستقرار العائلي وسؤال المشاركة في الحياة الاجتماعية والشعور بالانتماء أسئلة مستعجلة مشروعة تحتاج أجوبة حكيمة عقلانية،
ان مما أفسد المشهد السياسي وسحب بساط الثقة منه هذا خلط المتعمد بين ممارسة التجارة والسياسة معا، بل جعل الثانية في خدمة الاولى، فالمغرب ليس ضيعة لحلب البقر.
هناك استفزاز متعمد من طرف بعض الأحزاب للمغاربة، تبعث بصورة واحدة ان ممارسة السياسة عندهم فقط لحماية مصالحهم، وتضخيم ثروتهم، و توسيع الوعاء للممتلكاتهم، إن الجهل او التجاهل بحقيقة المعارضة والاحتجاج الرقمي كحقيقة موضوعية ستتحول مع الزمن إلى حقائق واقعية، وبغض النظر عن من يريد استغلالها من أجل ابتزاز سياسي، او يريد عنونتها وسرقتها باسم تيار ايديولوجي، فإن هذا التجاهل بلادة سياسية وانتكاسة وقصور في الفهم، ففي كل الأحوال هناك جمر تحت الاناء، ولا يعالج الأمر بزياد الجمر، بل بترتيب البيت السياسي الذي أصبح المستعجل فيه:
1 التخلص من الفاشلين في قطاعاتهم وسراق المال العام والمستفيدين من مناصبهم بدون وجه حق وبدون قانون، الذين جعلوا من قاعدة تعارض المصالح مبدأ سياسيا يؤمنون به، و يفرضونه على الآخرين. هؤلاء هم من يصنع قبل غيرهم الاحتجاجات،
2 فتح نقاش عميق وجاد بين الشباب والمؤسسات المعنية عبر وسائل الإعلام والتقاط الرسائل بكل وضوح،
3 تجنب لغة الشيطنة و التخوين والقاء هؤلاء الشباب في أحضان الاعداء، الذين يريدون سوء بهذا البلد، والذين يبحثون عن أدنى ثغرة لنقل مطالب مشروعة وتحويلها إلى نار تحرق الأصول،
4 لابد من بعث برسائل مسؤولة من خلال قرارات حازمة في حق من أفسد المناخ السياسي، و خرب كثير من الفرص الحقيقية للتنمية، وإعفاءه من كل مسؤولية، فلا يعتقد احد ان معظم الشباب الذي لجأ الى الشارع يطلب أكثر من كرامته وحقه في العيش الكريم، اما من يريدون الفتنة في هذا البلد فهم فئتين:
- الذين يصنعونها بسوء من خلال قراراتهم، والذين يستغلون كل احتجاج اجتماعي مشروع ليحولوه الى سقف سياسي غير مشروع وإن كانوا يختبئون وراء الدستور الى حين فهم لا يؤمنون به إلا مؤقتا ومكرهين يامعين ان تكون لهم الغلبة في يوم من الايام.
الخلاصة، لابد من حزم يجمع بين حسن الانصات وشجاعة اتخاذ القرار فقد أصبحت بركة الحكومة راكدة جدا.